اثر القرآن الكريم على اللغة العربية بحث ل مؤتمر جامعة مؤتة - مز حاتم البشتاوي

 



اثر القرآن الكريم على اللغة العربية

إعداد المهندس حاتم البشتاوي

رئيس الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

21/12/2025

 

 

 

قال تعالى: ﮗﮘ ﮙﮚ ﮞﮟ ﮠ ﮡ ﮢﮣ ﮤﮥﮦﮧﮨﮩ ﮪ [ابراهيم: 4]،

وقال تعالى مخاطباً محمداً r سيد المرسلين وخاتم النبيين: ﮝ  ﮞ  ﮟ  ﮠ  ﮡ  ﮢ  ﮣ  ﮤ     ﮥ  ﮦ  [الشعراء: 194-195

وقد ورد اللسان العربي (8) مرات في القرآن الكريم ، ولا يتم فقه هذا الكتاب ولا أحاديث الرسول r ولا أحكام الشريعة  بدون هذه اللغة، وكذلك فإننا لا نستطيع فقه السنة النبوية بدونها.

   يقول إبن الأثير الجزري: " ومعرفة اللغة والإعراب هما أصل لمعرفة الحديث الشريف لورود الشريعة المطهّرة بلسان العرب " [1] .

     كما يقول شيخ القراء أبو إسحاق الشاطبي: " الشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا من فهم العربية حق الفهم"[2] .

     وهذا يقودنا إلى أن نعرف موقع اللغة العربية في العالم التي يوجد فيه ما يزيد على 6700 لغة موزعة في 192 دولة؛ منها أكثر من 6000 لغة يتكلمها أقل من 1/4 مليون نسمة، ضمنها ما يحتضر حالياً إذ يعدّ الناطقون بها بالعشرات وهم مسنون [3] .

        واللغة العربية من أقدم اللغات السامية، وأكثرها تحدثًا، وهي من لغات الأقليات اللسنية في كثير من الدول، وإحدى اللغات الرسمية في منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة، ويتم تدريسها إجبارياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجمهورية نيجريا.[4]

         والعربية هي اللغة الخامسة في العالم من حيث عدد الناطقين بها البالغ عددهم أكثر من 467 مليون، كما أنها هي اللغة الرسمية في 25 دولة، ويتوزع متحدثوها في المنطقة المعروفة باسم الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من المناطق الأخرى المجاورة، وهي الأكثر انتشارًا ونموًّا في العالم متفوقةً على الفرنسية والروسية. كما أنها من بين اللغات الأربع الأكثر استخدامًا في الإنترنت في العالم ، وتبلغ عدد كلماتها 12.302.912 كلمة بينما بلغت كلمات اللغة الإنجليزية 600.000 كلمة واللغة الفرنسية  150.000 كلمة

            والعربية ذات أهمية كبيرة لدى المسلمين، فهي لغة القرآن، ولا تتم الصلاة في الإسلام إلا بإتقان بعض من كلماتها. وهي أيضا لغة شعائرية رئيسة لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي، كما كتِبت بها الكثير من أهم الأعمال الدينية والفكرية اليهودية في العصور الوسطى، فكان لها بالغ الأثر في اللغة والدين والأدب اليهودي.

         وتتميز العربية بقدرتها على التعريب واحتواء الألفاظ من اللغات الأخرى بشروط دقيقة معينة. ففيها خاصية الترادف، والأضداد، والمشتركات اللفظية. وتتميز كذلك بظاهرة المجاز، والطباق، والجناس، والمقابلة والسجع، والتشبيه. وبفنون اللفظ كالبلاغة الفصاحة وما تحويه من محسنات بديعية.

        ومعجزة الإسلام القرآن، والقرآن لسان عربي مبين، وهو اللغة التي ينطق بها جميع المسلمين في العالم - البالغ عددهم أكثر من 2000 مليون نسمة - عندما يتلون القرآن ولا سيما الفاتحة في صلواتهم.

        والقرآن معجز قاهر، دالّ على صدق الله في أقواله ووعده ووعيده، قال تعالى: ﭜ   ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧ  ﭨ  ﭩ  ﭪ  ﭫ     ﭬ  ﭭ  ﭮ  ﭯ   [الإسراء: 88].

     

 

والقرآن الكريم كذلك رمز للبلاغة والفصاحة، وهو الوعاء الذي حفظ الله به اللغة العربية من الضياع؛ وقد أنزله الله تعالى بلسان عربي مبين واضح، ولولا القرآن، لتلاشت العربية واضمحلت، وتفرعت إلى لغات كثيرة، فجاء القرآن وحفظها، فهي باقية محفوظة ما بقي القرآن يُتلى ويُقرأ.

 

أقوال ابن خلدون في أثر القرآن الكريم على اللغة العربية[5]

يرى ابن خلدون (مؤسس علم الاجتماع) أن "إعجاز القرآن البياني" لم يكن مجرد جمال لغوي، بل كان "قوة حفظ اجتماعية وثقافية" منعت انقراض اللغة العربية، وهو إعجاز "بقائي" يتجلى في صمود اللغة أمام تقلبات العصور بفضل ارتباطها بالوحي وأنَّ القُرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه، وأنَّ الإسلام لما استقرَّ في الأمصار... كانت اللغة العربية هي الوعاء الذي حُفظ به الدين، فصارت لزاماً على كل ذي دين أن يطلبها.".

ويرى ابن خلدون أن أثر القرآن على اللغة العربية لم يكن مجرد أثر ديني، بل كان تحولاً وجودياً وحضارياً للغة العربية

وفيما يلي أهم النقاط التي ذكرها ابن خلدون حول هذا الأثر

1. حفظ "الملكة اللسانية" من الفساد وأن اللغة هي "ملكة" (أي مهارة راسخة في النفس). فعندما اختلط العرب بالأعاجم بعد الفتوحات، خشي العلماء على هذه الملكة من الفساد (اللحن). فكان القرآن هو "المرجع المعياري" الذي حفظ أصول لسان مُضر. ولولا القرآن وتدوين العلوم بسببه، لضاعت اللغة العربية وتحللت كما تحللت اللغات القديمة (مثل اللاتينية).

2. نشأة علوم اللغة (علوم النحو والبيان ) خدمة للقرآن الكريم،"فلما جاء الإسلام، وفارق العرب الحجاز... وخالطوا الأعاجم، وتغيرت تلك الملكة... فاستنبطوا قوانين من مجاري كلامهم (النحو)... ليُعرف بها خطاب الله وكلام رسوله".

فالقرآن هو الذي حوّل العربية من لغة عفوية إلى لغة "علم وصناعة" لها قواعد مدونة.

3. القرآن هو ذروة "البيان" والطبقة العليا من البلاغة وهو الذي رفع سقف اللغة العربية إلى مستويات غير بشرية، وأما أثر ذلك على اللغة فقد جعل القرآن للعرب "نمطاً" جديداً من النظم ليس بالشعر ولا بالنثر المسجع، مما وسّع من طاقة اللغة التعبيرية وأعطاها هيبة وجلالاً لم تكن تمتلكه في الجاهلية.

4. صيرورة اللغة العربية لغة عالمية (علاقة اللغة بالدين) فيربط ابن خلدون بين لغة القرآن وبين مفهوم "الأمة"،ويرى أن العرب بفضل القرآن الكريم نقلوا لغتهم من "لغة قبيلة" إلى "لغة حضارة". فصار تعلم العربية واجباً على كل من دخل في الإسلام لفهم الكتاب والسنة، مما جعل العربية لغة الفكر والعلم في العالم أجمع في عصره.

 

اقوال المستشرقين في أثر القرآن الكريم على اللغة العربية

وقد أشار كثير من المستشرقين المعاصرين على أهمية دور القرآن الكريم على اللغة العربية كما يلي:

 أولا: اصطفاء الله تعالى للعربية  لتكون لغة القرآن الخالدة:

قال جوستاف جرونيباوم:" عندما أوحى الله رسالته إلى رسوله محمد أنزلها ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ [يوسف: 2] والله يقول لنبيّه ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ [مريم: 97]، وما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة فالأمر فيها واضح، ومن يتّبع جميع اللغات لا يجد فيها على ما سمعته لغة تضاهي اللغة العربية"[6].

وقال المستشرق الألماني كارل بروكلمان:" بلغت العربية بفضل القرآن من الاتساع مدىً لا تكاد تعرفه أيُّ لغةٍ أخرى من لغات الدنيا، والمسلمون جميعاً مؤمنون بأن العربية وحدها اللسانُ الذي أُحِلّ لهم أن يستعملوه في صلاتهم... "[7].

    ثانيا: عالمية اللغة العربية:

قال المستشرق (جورج سارتون) عن عالمية اللغة العربية؛ قائلا: "إن لغة القرآن على اعتبار أنها اللغة التي اختارها الله عز وجل للوحي، كانت بهذا التحديد كاملة... وهكذا ساعد القرآن على رفع اللغة العربية إلى مقام المثل الأعلى في التعبير عن المقاصد... وجعل منها وسيلة دولية للتعبير عن أسمى مقتضيات الحياة".

        قال المستشرق الدكتور (ماورث) وهو متعمق في الأدب العربي ومترجم لمعاني القرآن: "ما هو القرآن؟ معجز ببلاغته، فخر لأمة الإسلام بإعجازه، أكمل وأشمل الكتب السماوية المنزلة، لطف وكرم من الله عز وجل للبشرية، فلو نظرنا إليه نجده أعلى بيانًا ومقامًا من الفلسفة اليونانية... مليء بحمد وشكر خالق الأرض والسماوات، مبينًا قدرته وتصرفه مشتملًا لعظمته جل علاه... إنه مرجع للأدباء والفصحاء وعلماء اللغة والمهتمين بعلومها والمهتمين بالشعر، إنه خزينة لكل العلوم ومرجع للفقه والشريعة... إنه صوت الحق الذي علا من أرض الحجاز ومن غار حراء؛ لينقذ النصارى مما وقعوا فيه من شقاق، ويعلمهم أطهر دين، ولكنهم لم يسمعوا لهذا الصوت ولم يعيروه أي انتباه".

 

ثالثا: بقاء اللغة العربية واستمرارها:

قال المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس: "إنّ في الإسلام سنداً هامّاً للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة، كاللاتينية حيث انزوت تماماً بين جدران المعابد،ولقد كان للإسلام قوة تحويل جارفة أثرت في الشعوب التي اعتنقته حديثاً، وكان لأسلوب القرآن الكريم أثر عميق في خيال هذه الشعوب فاقتبست آلافاً من الكلمات العربية ازدانت بها لغاتها الأصلية فازدادت قوةً ونماءً.

والعنصر الثاني الذي أبقى على اللغة العربية هو مرونتها التي لا تُبارى، فالألماني المعاصر مثلاً لا يستطيع أن يفهم كلمةً واحدةً من اللهجة التي كان يتحدث بها أجداده منذ ألف سنة، بينما العرب المحدثون يستطيعون فهم آداب لغتهم التي كتبت في الجاهلية قبل الإسلام " [8].

        وقال المستشرق الألماني يوهان فك :إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسياً لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزاً لغوياً لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدنية، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية"  [9].

وقال المستشرق الألماني نولدكه:" إن اللغة العربية لم تَصِرْ حقّاً عالميةً إلا بسبب القرآن والإسلام، وقد وضع أمامنا علماءُ اللغة العرب باجتهادهم أبنيةَ اللغة الكلاسيكية، وكذلك مفرداتها في حالة كمالٍ تامٍّ، وأنه لا بدّ أن يزداد تعجب المرء من وفرة مفردات اللغة العربية، عندما يعرف أن علاقات المعيشة لدى العرب بسيطةٌ جداً، ولكنهم في داخل هذه الدائرة يرمزون للفرق الدقيق في المعنى بكلمةٍ خاصّةٍ، والعربية الكلاسيكية ليست غنيّةً فقط بالمفردات ولكنها غنيةٌ أيضاً بالصيغ النحوية، وتهتمّ العربية بربط الجمل ببعضها... وهكذا أصبحت اللغة ( البدويّة ) لغةً للدين والمنتديات وشؤون الحياة الرفيعة، وفي شوارع المدينة، ثم أصبحت لغةَ المعاملات والعلوم، وإن كلَّ مؤمنٍ غالباً جداً ما يتلو يومياً في الصلاة بعض أجزاء من القرآن، ومعظم المسلمين يفهمون بالطبع بعض ما يتلون أو يسمعون، وهكذا كان لا بُدّ أن يكون لهذا الكتاب من التأثير على لغة المنطقة المتّسعة ما لم يكن لأيّ كتابٍ سواه في العالم، وكذلك يقابل لغة الدين ولغة العلماء والرجل العادي بكثرة، ويؤدّي إلى تغيير كثيرٍ من الكلمات والتعابير في اللغة الشعبية إلى الصحّة " [10].

 

 

 

 

خاتمة

لغة القرآن في عصر الذكاء الاصطناعي.. الفتح المعرفي القادم

في ختام هذا العرض، ندرك أن اختيار الله عز وجل للسان العربي ليكون وعاءً لخاتم رسالاته، لم يكن تشريفاً تاريخياً فحسب، بل هو "إعجاز مستمر" يتجلى اليوم في أبهى صوره مع انطلاق ثورة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

إننا اليوم، ومن قلب "الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة"، نرى أن المسؤولية قد انتقلت من حماية اللغة من "اللحن" كما في عصر ابن خلدون، إلى تمكينها في "الخوارزميات" العالمية. إن الخصائص التي تفرد بها اللسان العربي من (جذور اشتقاقية، وترادف دقيق، وسعة معجمية بلغت 12 مليون كلمة) تجعل من العربية اللغة الأكثر طواعية وملاءمة لبناء "نماذج لغوية" ذكية قادرة على استيعاب الفكر البشري وتحليله بدقة لا تملكها لغات أخرى.

إن "الفتح" الذي ننشده اليوم هو الفتح المعرفي الرقمي؛ بحيث تصبح حقائق الإعجاز القرآني متاحة لكل لسان وبكل لغة، من خلال توظيف هذه التقنيات لكسر حواجز الترجمة وإيصال صوت الحق إلى "البيوت البيضاء" في كل أرجاء المعمورة.

إن القرآن الكريم سيبقى هو الحارس الأمين لهذا اللسان، وما دورنا إلا أن نكون الأدوات التي تُسخّر علوم العصر لخدمة هذا البيان، مصداقاً لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.

 عودة لموقع الجمعية الأردنية لإعجاز القرآن والسنة

21/12/2025

المهندس حاتم البشتاوي



[1]  جامع الأصول في أحاديث الرسول – إبن الأثير الجزري –  ج1 – ص37 – دار الفكر – بيروت – 1403هـ 1983م.

[2] الموافقات  في أصول الأحكام –  أبو إسحاق الشاطبي – ج1 –  ص 89 –  مطبعة محمد علي – القاهرة – 1969م.

[3] لسان حضارة الإسلام – محمد الأوراغي – ص 138 -  الدار العربية لعلوم الناشرين -  الجزائر - 2010.

[4]  لسان حضارة الإسلام – محمد الأوراغي – ص 138 -139 - مرجع سابق.

 

[5]  مقدمة ابن خلدون (كتاب: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر))، تحقيق د. عبد الله التركي، ط دار هجر (2004م)، مج 5، ص 395.

[6] الفصحى لغة القرآن -   ص306 - مرجع سابق.

[7] من قضايا اللغة العربية المعاصرة - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ص 274.

[8] الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي ص 301 – دار الكتاب اللبناني لبنان 1982.

[9]  الفصحى لغة القرآن -   ص302 - مرجع سابق.

[10] عبقرية اللغة العربية - نذير حمدان ص 133- دار القبلة للثقافة الإسلامية 1990


Comments